الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

302

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وبادرهم لوط - عليه السّلام - بقوله : يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ . وافتتاح الكلام بالنّداء وبأنّهم قومه ترقيق لنفوسهم عليه ، لأنّه يعلم تصلبهم في عادتهم الفظيعة كما دلّ عليه قولهم : لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ [ هود : 79 ] ، كما سيأتي . والإشارة ب هؤُلاءِ إلى بَناتِي . و بَناتِي بدل من اسم الإشارة ، والإشارة مستعملة في العرض ، والتقدير : فخذوهن . وجملة هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ تعليل للعرض . ومعنى هُنَّ أَطْهَرُ أنهنّ حلال لكم يحلن بينكم وبين الفاحشة ، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة قصد به قوّة الطهارة . و هؤُلاءِ إشارة إلى جمع ، إذ بيّن بقوله : بَناتِي . وقد روي أنه لم يكن له إلّا ابنتان ، فالظّاهر أن إطلاق البنات هنا من قبيل التشبيه البليغ ، أي هؤلاء نساؤهن كبناتي . وأراد نساء من قومه بعدد القوم الذين جاءوا يهرعون إليه . وهذا معنى ما فسر به مجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، وهو المناسب لجعلهنّ لقومه إذ قال : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ، فإن قومه الذين حضروا عنده كثيرون ، فيكون المعنى : هؤلاء النساء فتزوّجوهنّ . وهذا أحسن المحامل . وقيل : أراد بنات صلبه ، وهو رواية عن قتادة . وإذ كان المشهور أنّ لوطا - عليه السّلام - له ابنتان صار الجمع مستعملا في الاثنين بناء على أن الاثنين تعامل معاملة الجمع في الكلام كقوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ التحريم : 4 ] . وقيل : كان له ثلاث بنات . وتعترض هذا المحمل عقبتان : الأولى : أنّ القوم كانوا عددا كثيرا فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاث ؟ ! . الثانية : أن قوله : هؤُلاءِ بَناتِي عرض عليهم كما علمت آنفا ، فكيف كانت صفة هذه التخلية بين القوم وبين البنات وهم عدد كثير ، فإن كان تزويجا لم يكفين القوم وإن كان غير تزويج فما هو ؟ . والجواب عن الأول : أنه يجوز أن يكون عدد القوم الذين جاءوه بقدر عدد بناته أو أن يكون مع بناته حتى من قومه . وعن الثاني : أنه يجوز أن يكون تصرف لوط - عليه السّلام - في بناته بوصف الأبوة ، ويجوز أن يكون تصرفا بوصف النبوءة بالوحي للمصلحة